طهران .. قلب العروبة النابض!!

15 10 2011
كاريكاتير إيراني عن الأوضاع في سوريا

كاريكاتير إيراني عن الأوضاع في سوريا


منذ قيامه أواخر أربعينات القرن الماضي، تبنى حزب البعث خطابا قوميا عروبيا اعتبر
العرب كيانا واحدا وحاضنا طبيعيا لتحقيق أهدافه. وتم الحرص على تداخل هذا المفهوم
مع الوطنية. وتعلم ملايين السوريين على مدى عقود طويلة أن اسم كتاب التربية الوطنية
في المدارس هو “القومية”. وفجأة أصبحت طهران “قلب العروبة النابض” الذي يرنو إليه
النظام السوري، وبات الاسم شبه الرسمي للعرب في سوريا هو “الأعراب” في استعارة
للآية القرآنية “والأعراب أشد كفرا”!!!!


وفي أحدث تطور ذي معنى على هذا الصعيد، رفضت سوريا إجماعا على مستوى المندوبين في
الجامعة العربية لإدانة محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن التي اتهمت بها
إيران، وقال مندوب سوريا الدائم لدى الجامعة يوسف أحمد إن دمشق لن تكون طرفا في أي
إدانة سياسية لإيران.


وتجدد الموقف ذاته لاحقا من مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري،
عندما طلب من المجموعة العربية تضمين خطاب متطابق من كل المجموعة العربية إلى الامم
المتحدة والدول حول القضية     ذاتها، طلب تضمينه عبارة تشير إلى رفض سوريا مضمون
الخطاب الذي يدين إيران.


وفي مواجهة الموقف العربي الداعي إلى وقف العنف في سوريا، اختارت السلطة السورية
الدفاع عن نفسها بالهجوم على الأشقاء وتمجيد “الأصدقاء”، فأصبح العرب “أعرابا”
وأحيانا “أعارب” يفتقرون إلى الشرعية الأخلاقية وربما الدينية، في تناول الشأن
السوري. فيما تحظى إيران بالمديح المطنب.


كيف يتساوق هذا مع فكر عروبي احتكر الساحة السياسية والفكرية في سوريا طوال أربعة
عقود؟ وحفل تاريخ قضائه الاستثائي بمئات السجناء، وربما آلاف، بتهمة “إضعاف الشعور
القومي”؟ أليس الأداء الرسمي السوري حاليا “إضعافا للشعور القومي”؟ حتى بت تسمع
الشتائم تنهال على الدول العربية من مؤيدي النظام في كل مناسبة. وخاصة عندما يقترب
موعد اجتماع عربي لبحث الأزمة السورية.


البذور المبكرة لهذا التحول بدت مذ قررت القيادة السورية “البعثية” الوقوف إلى جانب
إيران في الحرب التي دارت بين الأخيرة والشقيق البعثي في العراق تسعينات القرن
الماضي. ودائما وجد التابعون الحزبيون في البعث السوري مبررات لتحولات قيادتهم. بعد
أن بدا منذ السبيعنات أن حزب البعث لا يحكم في سوريا فعليا، بل هو أداة تشرعن حكم
الشخص، ثم حكم العائلة. وبالتالي يتغير التفكير البعثي بما يلائم متغيرات الشخص أو
العائلة.


وفي عام 2006 وقعت سوريا وإيران مذكرة تعاون دفاعي هي الوحيدة من نوعها بين بلد
عربي وإيران. واشار الباحث السياسي شفيق شقير تحت عنوان “العلاقات السورية
الإيرانية.. من تبادل مصالح إلى تحالف” عام 2007، إلى أن العلاقات السورية إيرانية
تتم إعادة بنائها على أسس ” أكثر أهمية وإلحاحا” من العلاقات الاقتصادية، ” فسوريا
اليوم تتحالف مع إيران على أساس حماية أمنها المهدد”.

 


مرتكز الوجود

يلخص وزير الدفاع السوري السابق العماد مصطفى طلاس على موقعه الالكتروني الرسمي
“مرتكزات” علاقات “الشعبين” السوري والإيراني “وما وصلت إليه من مستوى رفيع”، بأنها
العداء للصهيونية والهيمنة الاستعمارية”، و”الدعم والمساندة لقضايا العرب بشكل عام والقضية
الفلسطينية بشكل خاص”، و”الدور الإقليمي والفاعل لسورية وإيران في المنطقة”،

واعتبر دائما أن العلاقات السورية الإيرانية “خدمة لقضايا
 العرب والمسلمين”.


ماذا حل بهذه “المرتكزات” الآن؟ وما هي المرتكزات الحقيقية؟


يتعلق المرتكزان الأولان بما اصطلح على تسميته بـ”الممانعة”، وهو مصطلح فندت الأشهر
الماضية في سورية حقيقته بما لا يدع مجالا للشك، وأصبج مجرد الحديث حوله مضيعة
للوقت. ولكن يجب التاكيد على أن الممانعة الحقة إنما تكمن لدى الشعب السوري ويعرفها
كل من عايش هذا الشعب عن قرب.

أما في المرتكز الثالث، حسب العماد طلاس، فيجب الاعتراف بأن لإيران دورا “فاعلا” في
المنطقة، لكنه مزعزع لاستقرارها ومهدد لاستقلالها، وأحيانا على أسس مذهبية واضحة،
في لبنان والبحرين والسعودية وغيرها، وبالتالي هو دور يناقض الأسس القومية
العروبية. أما الدور الإقليمي السوري فقد انتكس في الأشهر الماضية بحدة، واصبح
الحليف العربي الوحيد لدمشق في الوطن العربي هو حزب الله وحلفائه في لبنان، تحت
الرعاية الإيرانية. وقد طالب البرلمان العربي، الذي يضم ممثلين من برلمانات كل
الدول العربية، مؤخرا بتجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية.


لم يبق من مرتكزات طلاس شيئ إذا، فعلى أي أساس يقوم التحالف السوري الإيراني الآن؟


إنه تحالف وجود، وانفراط عقده يعني نهاية نظامي البلدين فعليا. فسوريا موضع قدم
متقدمة لإيران في الشرق الأوسط، حيث يقبع على بعد خطوات كل من حزب الله في لبنان
وحكومة المالكي في العراق. وخسارة هذا الموضع تعني انقطاع الشريان الإيراني عبر
العراق وسوريا إلى حزب الله وتقوقع النفوذ الإيراني إلى داخل حدود الدولة الفارسية.


أما إيران فهي بمثابة الهواء للنظام في سوريا الآن، اقتصاديا وعسكريا. وفقدان الدعم
الإيراني هو انتحار بكل معنى الكلمة للنظام السوري.


هذا ما تدركه الدول الغربية بوضوح، فتحاول استغلال الحراك السوري لإضعاف أحد
النظامين على أمل أن يتهالك الآخر بسرعة. ويمكن فهم توقيت الإعلان عن مخطط اغتيال
السفير السعودي في واشنطن في هذا السياق. فتشكيل موقف عربي معاد لإيران حجر يصيب
عدة عصافير. هو إضعاف للدور الإيراني في المنطقة وإحراج لأصدقائها؛ وعامل جديد يقنع
الدول العربية بضرورة التخلص سريعا من النظام في سوريا، بدليل التحرك الخليجي نحو
اجتماع عربي على مستوى وزراء الخارجية حول سوريا بعد ايام من الإعلان عن مخطط
الاغتيال، وبعد أسابيع من صمت عربي تلا رفض دمشق المبادرة العربية من أجل حل الازمة
السورية.


ولن يكون مستغربا، والحال هذه، أن تعدل السلطة السورية قوانينها قريبا لتجرم
إضعاف الشعور القومي “الإيراني”، فهي التهمة التي باتت تطال معارضي النظام الآن،
فيما تطال تهمة “إضعاف الشعور القومي العربي” النظام نفسه.

 


الإجراءات

معلومات

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s




Follow

Get every new post delivered to your Inbox.